منتديات ملتقى الخير

منتديات شباب10 ترحب بكم فاهلاوسهلا

مــلــتــقــى الــخــيــر *& على الخير نلتقي في منتديات شباب10 &*

منتديات شباب10 ملتقى الخير ترحب بجميع الاعضاء الجدد ؟&&&
** الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه
استغفر الله لي ولوالدي وللمؤمنين وللمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات"
عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير )) * البخاري
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ) ) البخاري
اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك

المواضيع الأخيرة

» ترحيب بالاعضاء الجدد
الجمعة فبراير 27, 2015 11:57 pm من طرف عصام الصامت

» شاهد هذا الفيديو قبل موتك
الأحد يونيو 22, 2014 6:45 pm من طرف خاطر سفاح

» ارسم ابتسامة من قهر واسكب دمعة من فرح
الأحد يونيو 22, 2014 11:50 am من طرف خاطر سفاح

» كيف نستغل شهر رمضان
الأربعاء أغسطس 03, 2011 9:16 am من طرف يحيى الشهري

» مشهد عن القطيعه
الخميس يناير 06, 2011 2:50 am من طرف مشبب

أفضل 10 أعضاء في هذا المنتدى


    لذة المناجاة في الصلاة

    شاطر
    avatar
    أبو ياسر
    Admin

    عدد الرسائل : 240
    نقاط : 4486
    تاريخ التسجيل : 16/10/2007

    لذة المناجاة في الصلاة

    مُساهمة من طرف أبو ياسر في السبت أغسطس 07, 2010 8:30 pm

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مقدمة
    الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله رسول الله إلى الناس كافة وعلى آله وأصحابه ومن تبعه وسار على نهجه إلى يوم الدين.
    أما بعد:
    فحين قال  في حديثه الشريف: «صلوا كما رأيتموني أصلي» كان يعني عليه الصلاة والسلام أداء الصلاة ظاهراً وباطناً فليست الدعوة النبوية هنا إلى مماثلة صلاته شكلاً فقط؛ بل هي دعوة لتحقيق إقامة هذه العبادة على الوجه الذي يرضي ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ في ظاهرها بتطبيق سنته ف حركاتها وسكناتها وأقوالها وأفعالها وفي تفهم مقاصدها ومغازيها ومعاني أذكارها وقراءاتها، وهنا تحقق الصلاة هدفها ويتذوق العبد المصلي لذتها ويجني ثمارها دينياً ودنيوياً، ولذا فقد حرصت على جمع هذه المادة العلمية عن الصلاة وركزت فيها على جلاء معاني أذكارها وقراءاتها وآثارها وحال السلف فيها، وذلك لأن المصلي حين يتفهم هذه المعاني والمقاصد يدرك اللذة والسعادة من وراء وقوفه أمام ربه سبحانه وتعالى في هذه الصلاة، ويجني ثمارها وآثارها في سلوكه وعاداته وعلاقاته، ويدخر عند الله أجرها وثوابها يوم يلقاه، وقد سجلت في صحيفته تامة من غير نقصان.
    أسأل الله أن ينفع بها وأن يبارك فيها، كما أستغفره عما فيها من نقص أو خلل وأسأل الله للجميع السداد والتوفيق.
    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


    نورة بنت محمد السعيد

    أهمية الصلاة في الدين
    من أشد الأمور التي تزيد إيمان المسلم الصلاة، قال سبحانه: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [البقرة: 143] يعني: صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الصلاة إيماناً لاشتمالها على نية، وقول، وعمل( ).
    العناية بالصلاة:
    العناية بالصلاة من أهم واجبات المسلم ويكون ذلك بأمور، منها( ): أن تكون موافقة لصلاة النبي  قدر الإمكان إذ أن العبد المسلم وهو يصلي ويؤدي الهيئات والأركان والواجبات يشعر بأنه يسير على هدي النبي  فيلتزم ما التزمه النبي  ويترك ما تركه ويفعل أحياناً ما ثبت عن النبي  أنه فعله أحياناً، ثم تراه ينوع بعض الأذكار لورود ذلك عنه ، وفي حديث مالك بن الحويرث ـ رضي الله ـ عن النبي  أنه قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»( ).
    وعن عمار بن ياسر ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله : «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها»( ).
    مراعاة الخشوع فيها:
    وهو تطبيق لقوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون].
    وعن عقبة بن عمار ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله : «ما من أحد يتوضأ، فيحسن الوضوء، ويصلي ركعتين، يقبل بقلبه ووجهه عليهما إلا وجبت له الجنة»( ).
    وعن حمران مولى عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ أنه رأى عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم تمضمض واستنشق واستنثر ثم غسل وجهه ثلاثاً ويديه إلى المرفقين ثلاثاً ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاثاً، ثم قال: رأيت رسول الله  يتوضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر الله له ما تقدم من ذنبه»( ).
    ويكون الخشوع بأمور منها:
    1- استحضار عظمة الله وإنك تقف بين يديه: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى [النازعات] فاستشعار عظمة الله من أعظم أسباب الخشوع في الصلاة، لقد كان عليه الصلاة والسلام يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل إجلالاً لله وتعظيماً له سبحانه واستشعاراً لعظمته، عن عبد الله بن الشخير ـ رضي الله عنه ـ قال: "رأيت رسول الله  يصلي بنا، وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء"( ).
    2- ذكر الموت: وذلك أن للموت رهبة في النفوس، وبه خواتيم الأعمال، وما بعده أشد رهبة وأكثر تخويفاً، فأين المفر من ضغطة القبر؟ وماذا سيكون جوابنا حين نسأل في القبر؟ ثم إننا لا نعرف أين مصيرنا أإلى جنة عرضها السماوات والأرض أم إلى نار وقودها الناس والحجارة؟
    وهكذا يستعرض الإنسان صوراً في الموت وما بعده، فيصلي صلاة رجل لا يظن أنه يصلي صلاة غيرها، فيحسن الصلاة، ويصدق التوبة، ويعد نفسه بين الأموات، وبذلك يأتي إلى الصلاة فيؤديها خاشعاً باكياً.
    إذن لابد من مراقبة الله ـ تعالى ـ ليستقيم أمر الصلاة فلابد أن نضع الدنيا وراء ظهورنا، وماذا لو علم الشخص أن كلماته مسموعة وأنها بلغت السلطان لا محالة ماذا سيقول؟ وكيف سيتكلم؟ ألا تجده يزن الحروف والكلمات؟ فكيف بمن سيمثل أمام السميع البصير العليم الذي لا تخفى عليه خافية؟( ).
    3- تدبر معاني الكلمات التي تتعلق بالصلاة: فيستحضر عند التكبير معنى هذه الكلمات وما تشمله من تعظيم الله ـ تعالى ـ وعندما يستعيذ يتفكر في مدلول الاستعاذة، وهكذا يتأمل معنى البسملة والتسبيح والصلاة على النبي  ولذا لابد من الاطلاع على كتب التفسير وأقوال العلماء في هذا الباب ليعقل الإنسان ما يقول.
    4- ترك الذنوب والمعاصي والآثام: لقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد: 11]، والمعاصي سد منيع يقف أمام الخشوع في الصلاة.
    5- اختيار العمل المناسب: وذلك من حيث حله لأن الله ـ تعالى ـ لا يقبل إلا طيباً، وآكل المال الحرام مردود الدعوة، محروم الخشوع.
    فضل الصلاة وتكفيرها للمعاصي
    عن أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي  خرج زمن الشتاء والورق يتهافت، فأخذ بغصنين من شجرة قال: فجعل ذلك الورق يتهافت، فقال: «يا أبا ذر» قلت: لبيك يا رسول الله، قال: «إن العبد المسلم ليصلي الصلاة يريد بها وجه الله فتهافت عنه ذنوبه، كما يتهافت هذا الورق عن هذه الشجرة»( ).
    وعن ربيعة بن كعب قال: كنت أبيت مع رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سل»، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أو غير ذلك؟» قلت: هو ذاك، قال: «فأعني على نفسك بكثرة السجود»( ).
    الصلاة وأثرها في ترك الذنوب وتربية النفس:
    قال الله ـ سبحانه ـ: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45].
    يبين الله ـ تعالى ـ في هذه الآية أن الصلاة الخاشعة الصحيحة لابد أن تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر وتقوده إلى الخير والمعروف، لذلك ترى أهل المساجد هم أفاضل الناس وأحاسنهم أخلاقاً، وما كان بهم من ذنوب أو عيوب فعند سواهم أضعاف أضعاف ما عندهم.
    وإن لم تكن الصلاة تنهانا عن الفحشاء والمنكر فلابد من الإمعان في العلة وإصلاحها، لابد من إصلاح الصلاة، ولا مفر من الخشوع فيها، فلننظر في الأسباب ولنجد في العلاج، وكما أننا نعالج الأبدان من أمراضها فعلاج النفوس أحرى وأولى، وهذا مما يعيننا على فه قول النبي : «أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله».
    ففي صلاح الصلاة صلاح سائر الأعمال فهي منزلة الرأس من الجسد.
    وإن الصلاة لا تصلح إلا بصحة العقيدة وما فيها من مراقبة الله ـ تعالى ـ والخوف منه، ومن الوقوف بين يديه للحساب والوجل من ناره سبحانه، فإذا خرج من الصلاة وافتتن في المعاصي والذنوب والخطايا وجد في قلبه قوة على دارئها ودفعها لأنه ينظر إلى اللذة العاجلة الفانية وإلى النعيم الذي لا ينفد، والسعادة التي لا تنقطع، فيقدم الخير الباقي على الزائل الفاني.
    وإنما تفسد صلاة المرء لقلة مراقبة الله ـ تعالى ـ، وضعف التقوى، فلا يؤتى من الخشية ما يحول بينه وبين معاصيه.
    وفي الحديث: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ألا وهي القلب»( ).
    ففي صلاح القلب صلاح سائر الجسد، وفي فساده فساد سائر الجسد، فإن صلح القلب صلحت اليد فلا تسرق ولا تبطش، ولا تزني باللمس، وصلحت الرجل فلا تمشي إلى محرم، واستقامت الأذن فلا تسمع المعازف، والنميمة، والغيبة، وحسن حال اللسان فلا ينطق إلا خيراً، وإن فسد القلب فسد سائر الجسد فلا تمضي الجوارح والأعضاء إلا إلى الفساد.
    وإنما يصلح أمر القلب أو يفسد بالصلاة، فإن حسنت دل ذلك على انتفاع القلب وصلاحه، وإلا دل على قلة انتفاعه وفساده، فتبدو المنكرات، وتعم الجوارح والأركان.
    كما أن كل صلاة خاشعة تنشط القلب للأعمال الصالحة وتوفقه لأعمال الخير، كما أن كل عمل طيب خارج الصلاة يزيد من الخشوع فيها، وفي الحديث: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله ـ تعالى ـ ومنهاة عن الإثم وتكفير للسيئات»( ).
    وقيل للبني : إن فلاناً يصلي الليل كل فإذا أصبح سرق! فقال: «سينهاه ما تقول ـ أو قال:ـ ستمنعه صلاته».
    إقبال الله تعالى بوجهه على عبده في الصلاة:
    عن الحارث بن الحارث الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله : «إذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله يقبل لوجهه إلى وجه عبده ما لم يلتفت»( )، وإذا التفت العبد في صلاته قال الله له: "أإلى خير مني؟".
    الاستعانة بالصلاة:
    قال الله ـ تعالى ـ: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة].
    قال الإمام ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض، والصلاة".
    وقال أيضاً: "إن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر"( ).

    الصلاة كيفية وروحاً
    قبل الشروع في الصلاة لابد للمصلي من أمرين:
    أحدهما: الوضوء: يقول الله ـ تعالى ـ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ [المائدة: 6].
    ويقول النبي : «لا تقبل صلاة بغير طهور»( ).
    ولابد من إسباغ الوضوء، وهو أن يتوضأ المسلم كما أمره الله ـ تعالى ـ وكما بينه رسوله ، وعلى المصلي أن يستحضر فضل الوضوء ففي الحديث: «ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها»( ).
    الثاني: الاتجاه نحو القبلة: حيث يتوجه المصلي إلى القبلة وهي الكعبة أينما كان بجميع بدنه قاصداً بقلبه فعل الصلاة التي يريدها من فريضة أو نافلة، ولا ينطق النية بلسانه، لأن ذلك غير مشروع لكون النبي  لم ينطق بالنية ولا أصحابه ـ رضي الله عنهم ـ نطقوا بها، ولأن النية أصلاً مكانها القلب.
    كما يسن أن يجعل المصلي له سترة يصلي إليها إن كان إماماً أو منفرداً، لأمر النبي  بذلك، ثم يشرع مستعيناً بالله في صلاته قائلاً: "الله أكبر".
    معناها: أن الله ـ تعالى ـ أكبر من كل شيء، في ذاته وأسمائه وصفاته، وكل ما تحتمله هذه الكلمة من معنى الكبرياء والعظمة، قال الله ـ عز وجل ـ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر].
    ثم يشرع في دعاء الاستفتاح قائلاً: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك».
    معناها: تنزيهاً لك يا رب عن كل نقص، والنقص إما أن يكون في الصفات، أو في مماثلة المخلوقات، فصفاته التي يتصف بها منزه فيها عن كل نقص، يتصف بالعلم الكامل، وبالحياة الكاملة، وبالسمع الكامل، والبصر الكامل، وهكذا جميع الصفات التي يتصف بها هو فيها منزه عن النقص، كذلك منزه عن أن يوصف بصفة نقص محضة، مثل أن يوصف بالعجز، أو الظلم، أو ما أشبه ذلك ( ).
    أما "الحمد" فهو وصف المحمود بالكمال، الكمال الذاتي والفعلي، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ كامل في ذاته، ومن لازم كماله في ذاته أن يكون كاملاً في صفاته.
    كذلك في فعله، ففعله دائر بين العدل والإحسان لا يمكن أن يظلم، إما أن يعامل عباده بالعدل، وإما أن يعاملهم بالإحسان، فالمسيء يعامله بالعدل: وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى: 40] لا يمكن أن يزيد، والمحسن يعامله بالفضل مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا [الأنعام: 160] فهو محمود على أفعاله وصفاته( ).
    "تبارك اسمك" فيشمل كل اسم من أسماء الله والأظهر في معنى "تبارك اسمك": أن المراد أن اسم الله نفسه كله بركة، وإذا كان اسم المسمى بركة فالمسمى أعظم بركة وأشد وأولى.
    أمثلة:
    * من بركة اسم الله: لو ذبحت ذبيحة بدون تسمية لكانت ميتة نجسة حراماً، ولو سيمت الله عليها لكانت ذكية طيبة حلالاً.
    * وأيضاً إذا سمت على الطعام لم يشاركك الشيطان فيه، وإن لم تسم شاركك، فهذه من بركة اسم الله عز وجل.
    * وكل أمر لا يبدأ فيه بـ"بسم الله" فهو أبتر.
    "وتعالى جدك" أي ارتفع ارتفاعاً معنوياً والجد بمعنى العظمة، يعني: إن عظمتك عظمة عظيمة عالية، لا يساميها أي عظمة من عظمة البشر، بل من عظمة المخلوق كله.
    "ولا إله غيرك" هذه هي كلمة التوحيد التي أرسل الله بها جميع الرسل، قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء]، "ومن كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة"، فهي أفضل الذكر، ومعناها: لا معبود حقاً إلا الله، فمقتضاها التسليم التام لله عز وجل، ظاهراً وباطناً، هذا هو دعاء الاستفتاح.
    وقد وردت أنواع من أدعية الاستفتاح ومنها ما ورد في الصحيحين ( ) من حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: كان رسول الله  إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير القراءة ما تقول قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد».
    ومعناه: أنه سأل الله أن يباعد بينه وبين خطاياه، كما باعد بين المشرق والمغرب، وهو غاية ما يبالغ فيه الناس.
    ومعنى "باعد بيني وبين خطاياي" أي: باعد بيني وبين فعلها بحيث لا أفعلها، وباعد بيني وبين عقوبتها.
    "اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس" هذه الجملة تدل على أن المراد بذلك الخطايا التي وقعت منه، لأنه قال: «نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس» أي: كما يغسل الثوب الأبيض إذا أصابه الدنس فيرجع أبيض وإنما ذكر الأبيض، لأن الأبيض هو أشد ما يؤثر فيه الوسخ بخلاف الأسود، وهذا ظاهر أنه في الذنوب التي فعلها ينقى منها، وبعد التنقية قال: «اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد».
    إذاً فالذي يظهر أن الجملة الأولى في المباعدة، أي: ألا أفعل الخطايا، ثم إن فعلتها فنقني منها، ثم أزل آثارها بزيادة التطهير بالماء والثلج والبرد، فالماء لا شك أنه مطهر، لكن الثلج والبرد ما مناسبته هنا؟
    فيه التبريد، وهذا لا شك أنه وجه حسن.
    ثم يستعيذ ويقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، وإن شاء قال: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزة ونفخه ونفثه» والاستعاذة للقراءة، وليست للصلاة.
    وفائدة الاستعاذة: ليكون الشيطان بعيداً عن قلب المرء، وهو يتلو كتاب الله حتى يحصل له بذلك تدبر، لأن هناك فرقاً بين أن تقرأ القرآن وقلبك حاضر، وبين أن تقرأ وقلبك لاه.
    ومعنى "أعوذ بالله...": أي ألتجئ وأعتصم به، لأنه سبحانه وتعالى هو المعاذ وهو الملاذ، والفرق بينهما أن اللياذ: لطلب الخير، والعياذ: للفرار من الشر، والشيطان يشمل الشيطان الأول الذي أمر بالسجود لآدم فلم يسجد، ويشمل ذريته، فالشيطان الرجيم بالمعنيين، فهو مرجوم بلعنة الله والعياذ بالله وطرده وإبعاده عن رحمته، وهو راجم غيره بالمعاصي فإن الشيطان تؤزُّ أهل المعاصي إلى المعاصي أزاً.
    ثم يقول: "بسم الله الرحمن الرحيم".
    "الرحمن" اسم من أسماء الله، وهو ذو الرحمة الواسعة الواصلة لجميع الخلق.
    الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
    وقال جلا وعلا لنبيه : «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» يعني الفاتحة، لأنها ركن الصلاة، "فإذا قال العبد: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قال الله تعالى: أثنى علي عبدي وإذا قال: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قال مجدني عبدي" لأن التمجيد كثرة الثناء "فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل".
    فـ إِيَّاكَ نَعْبُدُ حق الله، ووَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ حاجة العبد ومطلوبه أن يستعين بربه، لأنه المستعان سبحانه وتعالى المالك لكل شيء جل وعلا، القادر على كل شيء يستعين به العبد في عبادته وطاعته، وترك معصيته، ويستعين به أيضاً في أموره الخاصة من أمور الدنيا، كما في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ: «وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» فربك هو المستعان وهو المعبود بالحق، فيعلمك سبحانه أن تقول: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ حاجتك إليه، تستعين بربك على أمر دينك ودنياك، وهو المعبود بالحق جل وعلا، وهذه العبادة هي أعظم الواجبات، وأعظم الحقوق، وأعظم الأخلاق أن تعبده وحده، أينما كنت في الشدة والرخاء، وفي الصحة وفي المرض، في السفر وفي الإقامة، حتى تلقى ربك لا تصل إلا له، ولا تدع إلا إياه، ولا تستغيث إلا به، ولا تذبح إلا له، تقصد بأعمالك كلها وجه الله دون سواه، لأن العبادات كلها يجب أن تكون لله وحده دون سواه، كما قال تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وهكذا طلب الهداية، تطلب من ربك الهداية فأنت في حاجة إلى الهداية حتى تموت، ولهذا علمنا سبحانه في الفاتحة أن نقول في كل ركعة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.
    وكان النبي ، وهو أعلم الناس وأكمل الناس هداية ـ عليه الصلاة والسلام ـ، ومع هذا يقول: في استفتاحه في الصلاة: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»( )، يطلب من ربه الهداية فإننا كلنا في حاجة إلى الهداية، العالم والمتعلم، والعامة والخاصة، والرجال والنساء، كلنا في حاجة إلى الهداية، ولهذا شرع الله لنا أن نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ.
    والمعنى: دلنا على الخير وأرشدنا إليه وثبتنا عليه، والصراط المستقيم هو دين الله، وهو القرآن والسنة، يعني ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، فهذا هو الصراط المستقيم، وهو الإسلام، وهو الإيمان، والبر والتقى، وهو دين الله، تطلب من ربك الهداية لهذا الصراط أن تسقيم عليه، وأن يثبتك عليه حتى تموت وأنت على هذا الصراط وهو صراط المنعم عليه من الرسل وأتباعهم، وهو الصراط الذي استقاموا عليه وساروا عليه، قال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا [النساء].
    ثم يقول تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
    والمعنى: أنك تسأله أن يجنبك طريق هؤلاء المغضوب عليهم والضالين، والْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ: هم الذين عرفوا الحق ولم يعملوا به، وهم اليهود وأشباههم و الضَّالِّينَ: هم الجهال الذين يتعبدون على غير علم، وهم النصارى وأشباههم.
    تسأل الله أن يجنبك طريق هؤلاء وهؤلاء.. وأن يهديك طريق المنعم عليهم، وهم الرسل وأتباعهم، أهل العلم والعمل الذين عرفوا الحق وعملوا به، هؤلاء هم أهل الصراط المستقيم، تسأل الله أن يهديك طريقهم وأن يمنحك العلم النافع والعمل الصالح حتى تسقيم.
    ثم يقرأ سورة بعدها، ثم يركع مكبرا رافعا يديه حذو منكبيه أو أذنيه جاعلا رأسه حيال ظهره، واضعا يديه على ركبتيه، مفرقا أصابعه، ويطمئن في ركوعه، ويقول: «سبحان ربي العظيم».
    والأفضل أن يكررها ثلاثا أو أكثر، ويستحب أن يقول مع ذلك: «سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي».
    ومعنى التسبيح: التنزيه عن كل نقص.
    أحدهما: مطلق النقص، مثل تنزيه الله عن الجهل، والعجز والنوم، وما أشبه ذلك.
    الثاني: النقص في كماله، فينزه الله عن التعب فيما يفعله كما في قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: 38].
    فالقدرة والخلق كمال، لكن يعتريها النقص بالنسبة للمخلوق، فالمخلوق قد يصنع باباً، أو قدراً أو يبني بناء لكن مع التعب والإعياء، فهذا نقص، أما الرب تعالى فلا يلحقه تعب ولا إعياء، حتى مع خلقه لهذه المخلوقات العظيمة السموات والأرض، وفي هذه المدة الوجيزة.
    الثالث: وقد يكون من الثاني مشابهة المخلوقين، فمشابهتهم نقص، لأن إلحاق الكامل بالناقص يجعله ناقصاً، بل مقارنة الكامل بالناقص يجعله ناقصاً. فهذه ثلاثة أشياء ينزه الله عنها ( ).
    وفي الركوع تعظيم الله، قال النبي : «فأما الركوع فعظموا فيه الرب»، ويجتمع فيه التعظيم القولي والفعلي.
    ومعنى التسبيح: التنزيه عن كل نقص كما سبق.
    وقول: "ربي العظيم" أي العظيم في ذاته وصفاته، وما السموات والأرضون في كف الرحمن إلا كخردلة في كف أحدنا.
    وعند الرفع من الركوع يرفع يديه إلى حذو منكبيه أو أذنيه قائلاً: «سمع الله لمن حمده» إن كان إماماً أو منفرداً، ثم يقول: «ربنا ولك الحمد حمداً كثيراً وطيباً مباركاً وفيه ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد»، ومعنى "سمع": أي استجاب.
    ولهذا عدة صيغ هي: «ربنا ولك الحمد»، أو «ربنا لك الحمد»، أو «اللهم ربنا ولك الحمد»، أو «اللهم ربنا لك الحمد».
    والأفضل أن يقول هذا أحياناً وهذا أحياناً لفوائد هي:
    1- المحافظة على السنة 2- اتباع السنة. 3- حضور القلب.
    ومعنى قول: «ملء السماء» هو أن الله سبحانه وتعالى محمود على كل مخلوق يخلقه، وعلى كل فعل يفعله، فإن الله تعالى يستحق عليه الحمد، ومعلوم أن السموات والأرض بما فيها كلها من خلق الله، فيكون الحمد حينئذ مالئاً للسموات والأرض، لأن المخلوقات تملأ السموات والأرض، لأن الإنسان يستحضر به أن الله محمود على كل فعل فعله، وعلى كل خلق خلقه.
    و«وما شئت من شيء بعد»، هل يشاء الله من شيء بعد؟ نعم، لأن السموات والأرض تطوى وتزول، ثم تأتي الجنة والنار، فهو أعم من بقاء السماء والأرض.
    «ما شئت من شيء بعد»: أي مما لا يعلمه إلا الله، ويستحب بعد الاعتدال أن يضع يديه على صدره كما فعل في قيامه قبل الركوع.
    ثم يخر مكبراً ساجداً على سبعة أعضاء: رجليه، وركبتيه، ويديه، جبهته مع أنفه. ويضع ركبتيه على الأرض قبل يديه إن تيسر له ذلك، فإن شق عليه قدم يديه قبل ركبتيه، مستقبلاً بأصابع رجليه ويديه القبلة، ضاماً أصابع يديه، ولا يجوز أن يسجد على حائل من أعضاء السجود، بأن يضع جبهته على كفيه مثلاً، أو يضع رجليه بعضها على بعض.
    ما حكم وضع الحائل في السجود؟
    قال أهل العلم: أن الحائل ينقسم إلى قسمين:
    القسم الأول: متصل بالمصلي، فهذا يكره أن يسجد عليه إلا من حاجة، مثل الثوب الملبوس، والمشلح الملبوس، والغترة، الخ.
    القسم الثاني: إذا كان منفصلاً فهذا لا بأس به ولا كراهة فيه، لأنه ثبت عن النبي  أنه صلى على الخمرة.
    والخمرة: عبارة عن خصيف من النخل يسع جبهة المصلي وكفيه فقط وعلى هذا تكون الحوائل ثلاثة أقسام.
    1- قسم من أعضاء السجود، فهذا السجود عليه حرام ولا يجزئ السجود.
    2- قسم من غير أعضاء السجود لكنه متصل بالمصلي، فهذا مكروه، ولو فعل لأجزأ السجود، لكن مع الكراهة.
    3- قسم منفصل فهذا لا بأس به، ولكن قال أهل العلم: يكره، أن يخص جبهته فقط بما يسجد عليه.
    الحكمة من السجود:
    إنه من كمال التعبد لله والذل له، فإن الإنسان يضع أشرف ما فيه وهو وجهه بحذاء أسفل ما فيه وهو قدمه.
    ومن أجل هذا التطامن والنزول للرب عز وجل صار أقرب ما يكون الإنسان من ربه وهو ساجد، مع أنه لو قام لكان أعلى وأقرب، لكن لنزوله لله عز وجل صار أقرب إلى الله، فمن تواضع لله رفعه، ولهذا ينبغي لنا أن تسجد قلوبنا قبل أن تسجد جوارحنا.. حتى ندرك لذة السجود وحلاوته.
    ولا شك أننا مأمورون أن نجمل الطاعات بظواهرها بتمام الاتباع وكماله، لكن هناك شيء آخر يغفل عنه كثير من الناس، وهو تكميل الباطن، بحيث يركع القلب قبل ركوع البدن، ويسجد قبل سجود البدن، وإني والله، وأشهد الله، أننا لو أقمنا الصلاة كما ينبغي لكنا كلما خرجنا من صلاة نخرج بإيمان جديد قوي، لأن الله يقول: اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ [العنكبوت: 45]، لكن نسأل الله أن يعاملنا بعفوه ندخل فيها بقلب، ونخرج بقلب هو القلب الأول، لأننا لا نأتي بما ينبغي أن نأتي به من خضوع القلب، وحضوره وشعوره بهذه التنقلات التي هي رياض متنوعة، وأفعال مختلفة، وأقوال هي ما بين قراءة كلام الله عز وجل وذكره وتعظيمه وتكبيره ودعائه والثناء عليه ووصفه بأكمل الصفات: "التحيات لله والصلوات..." الخ. فهي رياض عظيمة، لكن فينا قصور من جهة مراعاة هذه الأسرار.
    وقد ورد في الحديث ( ): «إن الله حرم على النار أن تأكل أعضاء السجود» .
    سؤال: فمن يدخل النار من العصاة؟
    الجواب: لأن عصاة المؤمنين إذا لم يتب الله عليهم، ولم يكن لهم حسنات ترجح على سيئاتهم فإنهم يعذبون بالنار بقدر ذنوبهم، لكن أعضاء السجود محترمة لا تأكلها النار ولا تؤثر فيها.
    ويقول:«سبحان ربي الأعلى» حال السجود. ومعنى التسبيح كما سبق في سبحان ربي العظيم ( ).
    وأما قوله: «ربي الأعلى» دون أن يقول: «ربي العظيم»، لأن ذكر علو الله هنا أنسب من ذكر العظمة، لأن الإنسان الآن أنزل ما يكون، لذا كان من المناسب أن يثني على الله بالعلو، وعلى المسلم أن يشعر عند قوله: «سبحان ربي الأعلى» أن الله علي في ذاته وصفاته، بل هو أعلى من كل شيء، وانظر إلى الحكمة والمناسبة في هذه الأمور كيف كان الصحابة في السفر إذا علوا شيئاً كبروا، وإذا هبطوا وادياً سبحوا، لأن الإنسان إذا علا وارتفع قد يتعاظم في نفسه ويتكبر ويعلو، فمناسب أن يقول: «الله أكبر» ليذكر نفسه بكبرياء الله عز وجل، أما إذا نزل فإن النزول نقص، فكان ذكر التسبيح أولى، لتنزيه الله عز وجل عن النقص الذي كنت فيه الآن، فكان المناسب أن يذكر الإنسان نفسه بما هو أعلى منها.
    ونظير هذا من بعض الوجوه أن الرسول  كان إذا رأى شيئاً يعجبه من الدنيا يقول: «لبيك إن العيش عيش الآخرة» فهذا العيش الذي يعجبك عيش زائل.
    وعلى الإنسان في الصلاة أن يخرج الحروف من مخارجها سواء أسمع نفسه أم لم يسمعها.
    ثم يرفع رأسه مكبراً. والسنة أن يكون التكبير في حال الانتقال، ويفرش قدمه اليسرى ويجلس عليها، وينصب رجله اليمنى ويضع يديه على فخذيه وركبتيه.
    ذكر عن النبي  أنه يقول: «رب اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني» أو «اجبرني» بدل «ارزقني» وإن شاء جمع بينهما لأن المقام مقام دعاء، ويطمئن في هذا الجلوس حتى يرجع كل فقار إلى مكانه، كاعتداله بعد الركوع وبين السجدتين.
    وقوله: «رب اغفرلي» أي أنك تسأل الله سبحانه وتعالى أن يغفر لك الذنوب كلها الصغائر والكبائر، والمغفرة هي ستر الذنب والعفو عنه.
    وأما: «ارزقني»، هو طلب الرزق، وهو ما يقوم به البدن من طعام وشراب ولباس وسكن، وما يقوم به الدين من علم وإيمان وعمل صالح، والإنسان ينبغي له أن يعود نفسه على استحضار هذه المعاني العظيمة حتى يخرج منتفعاً.
    «وعافني» إذا كان الإنسان صحيحاً فالظاهر أنه يقول: «عافني» لأنه دعاء مسنون في هذا المكان دون أن يستحضر شيئاً، وإن كان مريضاً بدنياً استحضر أنه يسأل الله أن يعافيه من هذا المرض البدني، وإذا كان مريضاً مرضاً قلبياً، وما أكثر الأمراض القلبية، نسأل أن يعافينا منها استحضر أن يعافيه الله من هذا المرض القلبي، على كل ينبغي للإنسان إذا سأل الله العافية أن يستحضر أن يسأل الله العافية في البدن والقلب.
    وقوله: «واجبرني» الجبر يكون من النقص، وكل إنسان ناقص مفرط مسرف على نفسه بتجاوز الحد أو القصور عنه، ويحتاج إلى جبر حتى يعود سليماً بعد كسره من كسر العظام البدنية، ومن كسر العظام المعنوية، لأن الإنسان يحتاج إلى جبر يجبر له النقص الذي يكون فيه.
    فهذه المعاني التي تذكر في الأدعية ينبغي للإنسان أن يستحضرها.
    فإن قال قائل: ألا يغني عن ذلك كله أن يقول: «اللهم ارحمني» لأن الرحمة عند الإطلاق بها حصول المحبوب وزوال المكروه؟
    فالجواب: بلى، لكن مقام الدعاء ينبغي فيه البسط، لكن على حسب ما جاءت به السنة، وليس البسط بالأدعية المسجوعة.
    ولماذا كان المشروع فيه البسط؟ لأسباب:
    1- لأن الدعاء عبادة، وكلما ازددت من العبادة ازددت خيراً.
    2- أن الدعاء مناجاة لله ـ عز وجل ـ، وأحب شيء إليك هو الله عز وجل، ولا شك أن كثرة المناجاة مع الحبيب مما تزيد الحب.
    3- أن يستحضر الإنسان ذنوبه، لأن للذنوب أنواعاً فإذا زيد في الدعاء استحضرت، ولهذا كان من دعاء الرسول عليه الصلاة والسلام: «اللهم اغفرلي ذنبي كله دقه وجله علانيته وسره وأوله وآخره».
    ويسجد الثانية كالأولى مع التكبير، وأقوال السجود أن يقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفرلي» و«سبوح قدوس رب الملائكة والروح»، ويدعو، وكلما أكثر من الدعاء في السجود كان أولى، لقول النبي : «وأما السجود فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم».
    وهل يقرأ القرآن وهو ساجد؟
    الجواب: لا، لأن النبي  نهى أن يقرأ القرآن وهو راكع أو ساجد، اللهم إلا إذا دعا بجملة من القرآن مثل: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ [آل عمران]، فهذا لا يضر لأن المقصود الدعاء.
    ثم يرفع رأسه مكبراً ويجلس جلسة خفيفة، مثل جلوسه بين السجدتين، وتسمى جلسة الاستراحة، وهي مستحبة في أصح قولي العلماء، وإن تركها فلا حرج ( ) انتهى.
    وذكر الشيخ محمد العثمين ـ رحمه الله ـ قوله: إن احتاج إليها صارت مشروعة لغيرها وعدم المشقة، وإن لم يحتج إليها فليست بمشروعة ( )..
    وليس فيها ذكر ولا دعاء، ثم ينهض قائماً إلى الركعة الثانية معتمداً على ركبتيه إن تيسر ذلك، وإن شق عليه اعتمد على الأرض، ثم يقرأ الفاتحة وما تيسر له من القرآن بعدها، ثم يفعل فيها كما فعل في الركعة الأولى.
    معنى التشهد ( ):
    ويقول: «التحيات لله...»" لما أنهى المصلي صلاته شرع له أن يجلس ويأتي بأكمل التحيات وأفضلها لله تعالى.
    قال الحسن البصري ـ رحمه الله ـ: "كان أهل الجاهلية يتسمحون بأصنامهم، ويقولون: لك الحياة الدائمة، فلما جاء الإسلام أمروا أن يجعلوا أطيب تلك التحيات وأزكاها وأفضلها لله تعالى فيقول المصلي: التحيات لله..." ( ).
    يقول بلسانه متدبراً ذلك بقلبه.
    «التحيات»: جمع تحية، والتحية هي التعظيم، و"الـ" مفيدة للعموم، وأفرادها لا حد لها، يعني كل نوع من أنواع التحيات فهو لله، فلا يستحق التحيات على الإطلاق إلا الله، ولا أحد يحيا على الإطلاق إلا الله.
    فإذا قال قائل: هل الله بحاجة إلى أن تحييه؟
    فالجواب: كلا، لكنه أهل للتعظيم فأعظمه لحاجتي لذلك، لا حاجته لذلك، والمصلحة للعبد، قال تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر: 7].
    و"الصلوات": شامل لكل ما يطلق عليه صلاة شرعاً أو لغة، فالصلوات كلها لله حقاً واستحقاقاً، لا أحد يستحقها.
    والدعاء أيضاً حق واستحقاق ـ لله عز وجل ـ قال تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [غافر].
    كل الصلوات فرضها ونفلها لله، وكل الأدعية لله.
    و"والطيبات" لها معنيان:
    1- ما يتعلق بالله 2- ما يتعلق بأفعال العباد.
    فما يتعلق بالله فله من الأوصاف أطيبها، ومن الأفعال أطيبها، ومن الأقوال أطيبها قال النبي : «إن الله طيب..» فهو طيب في كل شيء، وله أيضاً من أعمال العباد القولية والفعلية الطيب قال النبي : «لا يقبل إلا طيباً»، فإن الطيب لا يليق به إلا الطيب، ولا يقدم له إلا الطيب.
    فهل أنت أيها المصلي تستحضر حين تقول: «الطيبات لله» هذه المعاني، أو تقولها على أنها ذكر وثناء؟
    أغلب الناس على الثاني، لا يستحضر عندما يقول: «والطيبات» أن الله طيب، وأنه لا يليق به إلا الطيب من الأقوال والأفعال الصادرة من الخلق.
    وما يصدر من الخلق، منه ما هو الطيب، ومنه ما هو خبيث، ومنه ما ليس كذلك، لكن ما الذي يصعد إلى الله، ويرفع إلى الله عز وجل؟
    الجواب: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر: 10]، وما ليس بطيب فهو إلى الأرض، لا يصعد إلى السماء.
    «السلام عليك» قيل: إن المراد بالسلام: اسم الله عز وجل، لأن الله قال في كتابه: الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ [الحشر: 23].
    وبناء على هذا القول ما معنى كون الله على الرسول؟ أي: بالحفظ والكلاءة والعناية وغير ذلك، فكأننا نقول: الله عليك رقيب حافظ معتني بك.
    وقيل: السلام معنى التسليم على الرسول  معناها: أننا ندعو له بالسلامة من كل آفة.
    لكن بعد مماته كيف ندعو له بالسلامة وقد مات ؟
    الجواب: ليس الدعاء بالسلامة مقصوراً في حال الحياة، فهناك أهوال يوم القيامة، ولهذا كان دعاء الرسول إذا عبر الناس على الصراط: «اللهم سلم، اللهم سلم»، فلا ينتهي المرء من المخاوف والآفات بمجرد موته، ونقول أيضاً بمعنى أعم: السلام على شرعه وسننه وسلامتها من أن تنالها أيدي العابثين.
    هل هذا خطاب للرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ كخطاب بعضهم بعضاً؟
    الجواب: لا، لو كان كذلك لبطلت الصلاة به، لأن هذه الصلاة لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين، ولكن كما قال شيخ الإسلام: لقوة استحضارك للرسول عليه الصلاة والسلام حين السلام عليه، كأنه أمامك تخاطبه.
    «أيها النبي ورحمة الله» فأنت بعد أن دعوت لرسول الله  بالسلام دعوت له بالرحمة ليحصل له المطلوب ويزول عنه المرهوب.
    «وبركاته» جمع بركة، وهي الخير الكثير الثابت، لأن أصلها من البركة نماؤها كثير ثابت، والبركة: هي النماء والزيادة في كل شيء من الخير.
    فما هي البركات التي تدعو بها للرسول عليه ـ الصلاة والسلام ـ بعد موته؟ ففي حياته ممكن أن يبارك له في طعامه، في كسوته، في أهله؟
    فأما البركة بعد موته فبكثرة أتباعه وما يتبع فيه.
    إذاً نحن ندعو للرسول  بالبركة، وهذا يستلزم كثرة أتباعه، وكثرة عملهم، لأن كل عمل صالح يفعله أتباع الرسول عليه الصلاة والسلام فله مثل أجورهم إلى يوم القيامة، وبعض المحبين للرسول عليه الصلاة والسلام يهدون إليه القرب كالختمة والفاتحة فهذه بدعة، ثم إن عملك الآن وإن لم تهد ثوابه سيكون للرسول مثله.
    "السلام علينا" نقول في السلام كما قلنا في الأول.
    وأما "علينا" فـ"نا" لا شك أنه لا يراد بها الشخص نفسه فقط، وإنما يراد بها الشخص ومن معه، فمن الذي معه؟
    قيل: المصلون، وقيل الملائكة، وقيل: المراد جميع الأمة المحمدية، وهذا القول الأخير أصح، فكما دعونا لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام ندعو أيضاً لأنفسنا بالسلام، لأننا أتباعه.
    «وعلى عباد الله الصالحين» هذا تعميم بعد تخصيص، لأن عباد الله الصالحين هم كل عبد صالح في السماء والأرض حي أو ميت من الآدميين والملائكة والجن.
    وعباد الله هم الذين تعبدوا الله، أي: تذللوا له بالطاعة امتثالاً للأمر واجتناباً للنهي، وعباد الله الصالحون هم: الذين صلحت سرائرهم وظواهرهم، فصلاح السرائر: بإخلاص العبادة لله، والظواهر بمتابعة رسول الله .
    «أشهد أن لا إله إلا الله» شهادة تكون عن قطع، كأنما يشاهد الإنسان بعينه، ومعنى «لا إله إلا الله» أي: لا معبود حقاً إلا الله.
    «وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» هو محمد بن عبد الله بعثه الله ـ عز وجل ـ بمكة، «عبده» لا شريكه، وهو بشر مثلنا تميز علينا بالوحي، وبما جبله الله عليه من العبادة والأخلاق، «ورسوله» أي أرسله الله وجعله واسطة بينه وبين خلقه في تبليغ شرعه، إذ لولا رسول الله ما عرفنا كيف نعبد الله عز وجل.
    «اللهم صل على محمد»: «اللهم» معناها: يا الله، وقوله: «صل على محمد» قيل: إن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء، فإذا قيل: صلت عليه الملائكة يعني: استغفرت له، إذا قيل: صلى عليه الخطيب يعني: دعا له بالصلاة، إذا قيل: صلى عليه الله يعني: رحمه، وهذا مشهور بين أهل العلم.
    وأحسن ما قيل: أن صلاة الله على نبيه: ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، فاللهم صل عليه أي أثن عليه في الملأ الأعلى، أي عند الملائكة المقربين.
    «وعلى آل محمد» وآل محمد هم أتباعه.
    «كما صليت على آل إبراهيم» قال بعض العلماء: إن هذا من باب التوسل بفعل الله السابق، لتحقيق الفعل اللاحق، يعني كما أنك سبحانك سبق الفضل منك على آل إبراهيم فألحق الفضل منك على محمد وآله.
    «وبارك على محمد»، البركة كثرة الخيرات ودوامها واستمرارها، ويشمل البركة في العمل والبركة في الأثر.
    أما البركة في العمل فأن يوفق الله الإنسان لعمل لا يوفق له من نزعت منه البركة.
    وأما البركة في الأثر: بأن يكون لعمله آثار جليلة نافعة ينتفع بها الناس، ولا شك أن بركة النبي عليه وعلى آله الصلاة والسلام لا نظير لها وذلك لأن أمته أكثر الأمم.
    «وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم» هذا من باب التوسل بفعل الله السابق إلى فعله اللاحق كأنك تقول: كما أنك يا رب قد تفضلت على آل إبراهيم وباركت عليهم فبارك على آل محمد.
    «إنك حميد مجيد» حميد فهو حامد ومحمود، حامد لعباده وأوليائه الذين قاموا بأمره، ومحمود يحمد عز وجل على ما له من صفات الكمال وجزيل الإنعام. مجيد معناه: ذو المجد، وهو العظمة وكمال السلطان.
    وبعد: فإن من حكم شرعية جلسة التشهد التحيات، أن المصلي إذا فرغ من صلاته جلس جلسة الراغب الراهب يستعطي ربه ما لا غنى به عنه، وقبل ذلك يقدم بالتحيات لله والثناء والشهادة لله بالوحدانية، والصلاة والسلام على رسوله، ثم يتخير من الدعاء ما شاء، وأمر بأن يستعيذ بالله من مجامع الشر كله، فالشر في عذاب الآخرة أو سببه، والعذاب نوعان: عذاب البرزخ، وعذاب الآخرة وأسبابه الفتنة وهي نوعان: كبرى وصغرى.
    فالكبرى: فتنة الدجال، وفتنة الممات. والصغرى: فتنة الحياة التي يمكن تداركها بالتوبة ( ).
    ويستعيذ من عذاب جهنم ( ).
    قوله: «ويستعيذ» أي يقول: «أعوذ بالله من عذاب جهنم»، والعياذ: هو الالتجاء أو الاعتصام من مكروه، يعني: أن يعتصم بالله من المكروه. واللياذ: أن تلجأ إليه لحصول المطلوب.
    قوله: «من عذاب جهنم» أي: العذاب الحاصل منها، وهذه النار ورد في صفاتها وصفات العذاب فيها في الكتاب والسنة ما تقشعر منه الجلود.
    والبحث فيها من عدة وجوه:
    الوجه الأول: هل هي بموجودة الآن، أو ليست بموجودة؟
    الجواب: هي موجودة، لأن النبي  عرضت عليه النار في صلاة الكسوف وهو يصلي بالناس، وكذلك في المعراج رأى النار أيضاً، والقرآن يدل على ذلك، كما قال تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة]، الإعداد بمعنى: التهيئة والفعل ماض، فيقتضي: أن الإعداد حاصل الآن.
    الوجه الثاني: هل هي مؤبدة أو مؤمدة؟ يعني هل تفنى أو هي دائمة أبد الآبدين.
    الجواب: أنها مؤبدة، ولا يكاد يعرف عن السلف سوى هذا القول، ولهذا جعله العلماء من عقائدهم بأن نؤمن ونعتقد بأن النار مؤبدة أبد الآبدين، وهذا أمر لا شك فيه، لأن الله ذكر التأبيد في ثلاثة مواضع من القرآن في سورة النساء في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [النساء: 168، 169].
    والثاني في سورة الأحزاب: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا [الأحزاب: 64، 65].
    والثالث في سورة الجن: إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23].
    الوجه الثالث: هل عذابها حقيقي يؤلم، أو أن أهلها يكونون فيها كأنهم حجارة لا يتألمون؟
    الجواب: أن عذابها حقيقي يؤلم، ومن قال خلاف ذلك فقد أخطأ، وأبعد النجعة، فهم يعذبون ويألمون ألماً عظيماً شديداً، كما قال تعالى في عدة آيات: وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [البقرة: 10] حتى إنهم يتمنون الموت، والذي يتمنى الموت، هل يقال إنه يتألم أو إنه تأقلم؟
    الجواب: لو تأقلم ما تألم، ولا دعا الله أن يقضي عليه، قال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ * لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف: 77، 78].
    إذاً هم يتألمون بلا شك، والحرارة النارية تؤثر على أبدانهم ظاهرها وباطنها، قال تعالى في كتابه العزيز: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا [النساء: 56].
    الوجه الرابع: هل هناك ناران: نار لأهل الكفر، ونار لأهل التوحيد الذين يعذبون فيها ثم يخرجون؟
    الجواب: زعم بعض العلماء ذلك، وقال: إن النار ناران، نار لأهل الكفر ونار لأهل المعاصي من المؤمنين وبينهما فرق، ولكن هذا لا أعلم له دليلاً لا من القرآن ولا من السنة، والذي أعلمه أن النار واحدة لا تختلف، لكن عذابها يختلف، فلا شك أنها على عصاة المؤمنين ليست كما هي على الكافرين ( ).
    وكوننا نقول بالتقسيم بناء على استبعاد عقولنا أن تكون ناراً واحدةً تؤثر تأثيرين مختلفين لا وجه له لما يلي:
    أولاً: أن الله على كل شيء قدير، والله تعالى قادر على أن يجعل النار الواحدة لشخص سلاماً ولآخر عذاباً.
    ثانياً: أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا أبداً، لظهور الفرق العظيم بينهما، فلا يجوز أن تقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا، لتنفي ما لا يتسع له عقلك، بل عليك بالنسبة لأحوال الآخرة أن تسلم وتقبل وتصدق، أليست هذه الشمس تدنو من الخلائق قدر ميل يوم القيامة؟ ولو كانت أحوال الناس يوم القيامة كأحوالهم في الدنيا لأحرقتهم، لأن هذه الشمس في أوجها لو نزلت ولو يسيراً أحرقت الأرض ومحتها عن آخرها ونحن نحس بحرارتها الآن، وبيننا وبينها مسافات عظيمة، لاسيما أيام الصيف حين تكون عمودية، ومع ذلك تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل، ولا يحترقون بها، وكذلك أيضاً في يوم القيامة الناس في مقام واحد، المؤمنون لهم نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، والكفار في ظلمة، لكن في الدنيا لو كان بجانبك واحد على يمينه نور وبين يديه نور فإنك تنتفع به، أما في الآخرة فلا، وفي الآخرة أيضاً يعرق الناس فيختلف العرق اختلافاً عظيماً بينهم وهم في مكان واحد، فمن الناس من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقوية، ومنهم من يلجمه العرق. فلا يجوز أن تقيس أحوال الآخرة بأحوال الدنيا.
    الوجه الخامس: أين مكان وجودها؟
    الجواب: في الأرض، ولكن قال بعض أهل العلم، إنها البحار، وقال آخرون: بل هي في باطن الأرض، والذي يظهر أنها في الأرض ولكن لا ندري أي هي من الأرض على وجه التعيين. والدليل على أن النار في الأرض ما يلي:
    1- قال الله ـ تعالى ـ: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ [المطففين]، وسجين هي الأرض السفلى.
    2- جاء في الحديث فيمن احتضر وقبض من الكافرين أنها لا تفتح لهم أبواب السماء، ويقول الله تعالى: "اكتبوا كتاب عبدي في سجين وأعيدوه إلى الأرض".
    الوجه السادس: ما أسماؤها؟
    الجواب: لها أسماء متعددة، وهذا التعدد في الأسماء لاختلاف صفاتها فتسمى الجحيم، وتسمى جهنم، وتسمى لظى، وتسمى السعير، والمسمى واحد، فكل ما صح في كتاب الله أو سنة الرسول  من أسمائها فإنه يجب على المؤمن أن يصدق به ويثبته.
    وقوله: «من عذاب جهنم» هل المراد أنه يتعوذ بالله من فعل المعاصي المؤدية إلى جهنم، أو يتعوذ بالله من جهنم وإن عصى فهو يطلب المغفرة من الله أو يشمل الأمرين؟
    الجواب: يشمل الأمرين فهو يستعيذ بالله من عذاب جهنم، أي من فعل الأسباب المؤدية إلى عذاب جهنم.
    «ومن عذاب جهنم»: أي من عقوبة جهنم إذا فعل الأسباب التي توجب ذلك، لأن الإنسان بين أمرين، إنا عصمة من الذنوب فهنا إعاذة الله من فعل السبب، وإما عفو عن الذنوب، وهنا إعاذة الله من أثر السبب، وقولنا: العصمة من الذنوب ليس معناه العصمة المطلقة، لأن النبي  قال: «كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون».
    قوله: «من عذاب القبر» أصل القبر مدفن الميت، قال الله تعالى: ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ [عبس].
    قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: أي أكرمه بدفنه، وقد يراد به البرزخ الذي بين موت الإنسان وقيام الساعة وإن لم يدفن كما قال تعالى: وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [المؤمنون].
    فهل الداعي إذا استعاذ بالله من عذاب القبر يريد من عذاب مدفن الموتى، أو من عذاب البرزخ الذي بين موته وبين قيام الساعة؟
    الجواب: الثاني، لأن الإنسان في الحقيقة لا يدري هل يموت ويدفن، أو يموت وتأكله السباع، أو يحترق ويكون رماداً، قال تعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: 34] فاستحضر أنك إذا قلت من عذاب القبر، أي: من العذاب الذي يكون للإنسان بعد موته إلى قيام الساعة.
    والبحث في عذاب القبر من عدة وجوه:
    الوجه الأول: هل عذاب القبر ثابت، أو غير ثابت؟
    الجواب: ثابت بصريح السنة، وظاهر القرآن، وإجماع المسلمين.
    الوجه الثاني: هل هو على البدن، أو الروح، أو عليهما؟
    الجواب: الأصل أنه على الروح، لأن الحكم بعد الموت للروح، والبدن جثة هامدة، ولهذا لا يحتاج البدن إلى إمداد لبقائه، فلا يأكل ولا يشرب، بل تأكله الهوام، لكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الروح قد تتصل بالبدن فتعذب، واعتمدوا في ذلك على أن هذا قد رئي حساً في القبر، فقد فتحت بعض القبور ورؤي العذاب على الجسم، وفتحت بعض القبور ورؤي أثر النعيم على الجسم، وقد حدثني بعض الناس أنهم في هذا البلد هنا في عنيزة كانوا يحفرون لسور البلد الخارجي، فمروا على قبر فانفتح اللحد فوحدوا فيه ميتاً قد أكلت كفنه الأرض وبقي جسمه يابساً، لكن لم تأكل منه شيئاً، حتى إنهم قالوا: إنهم رأوا لحيته وفيها الحناء، وفاحت عليهم رائحة أطيب ما يكون من المسك، فتوقفوا وذهبوا إلى الشيخ، وكان في ذلك الوقت (عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين) وسألوه فقال: دعوه على ما هو عليه وجنبوا عنه فاحفروا عن يمين أو يسار ( ).
    فبناءً على ذلك قال العلماء: إن الروح قد تتصل في البدن فيكون العذاب على هذا وهذا، وربما يستأنس لذلك بالحديث الذي قال فيه رسول الله: «إن القبر ليضيق على الكافر حتى تختلف أضلاعه»، فهو يدل على أن عذاب القبر يكون على الجسم، لأن الأضلاع في الجسم.
    الوجه الثالث: إذا لم يدفن الميت وأكلته السباع، أو ذرته الرياح، أو سقط في اليم فأكلته الحيتان، هل يكون عليه عذاب؟
    الجواب: نعم، ويكون العذاب على الروح، لأن الجسد قد زال وتلف وفني، وإن كان هذا أمراً غيبياً لا أستطيع أن أجزم بأن البدن لا يناله من هذا العذاب شيء ولو كان قد فني واحترق، لأن الأمر الأخروي لا يستطيع الإنسان أن يقيسه على المشاهد في الدنيا ( ).
    الوجه الرابع: هل عذاب القبر دائم، أو منقطع؟
    الجواب: أما إن كان الإنسان كافراً والعياذ بالله فإنه لا طريق إلى وصول النعيم إليه أبداً ويكون عذابه مستمراً، أما إن كان عاصياً وهو مؤمن فإنه إذا عذب في قبره يعذب بقدر ذنوبه، وربما يكون عذاب ذنوبه أقل من البرزخ الذي بين موته وقيام الساعة، وحينئذ يكون منقطعاً.
    وهل يخفف للمؤمن العاصي؟
    الجواب: نعم، قد يخفف لأن النبي  مر بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة»، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله لم فعلت؟ قال: « لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا » "رواه البخاري" وهذا دليل على أنه قد يخفف العذاب.
    الوجه الخامس: هل عذاب القبر من أمور الغيب، أم من أمور الشهادة؟
    الجواب: من أمور الغيب، وكم من إنسان في هذه المقابر يعذب، ونحن لا نعر به، وكم جار له منعم مفتوح له باب إلى الجنة، ونحن لا نشعر به، فما تحت القبور لا يعلمه إلا علام الغيوب، فشأن عذاب القبر من أمور الغيب، ولولا أن رسول الله  أخبرنا به ما علمنا.
    والحكمة من جعله من أمور الغيب ما يلي:
    أولاً: أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أرحم الراحمين فلو كنا نطلع على عذاب القبور لمتنا، لأن الإنسان إذا اطلع على أن أباه، أو أخاه، أو ابنه، أو زوجه، أو قريبه يعذب في القبر ولا يستطيع فكاكه، فإن يقلق ولا يستريح، وهذه من نعمة الله سبحانه.
    ثانياً: أنه أستر للميت أيضاً، فهذا الميت قد ستر الله عليه، ولم نعلم عن ذنوبه التي بينه وبين ربه عز وجل، فإذا مات واطلعنا الله على عذابه صار في ذلك فضيحة عظيمة له، ففي ستره رحمة من الله بالميت.
    ثالثاً: أنه قد يصعب على الإنسان دفن الميت، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لولا أن لا تدافنوا لسألت الله أن يسمعكم عذاب القبر الذي أسمع منه».
    رابعاً: لو كان العذاب ظاهراً لم يكن للإيمان به مزية، لأنه يكون مشاهداً، وهو من أمور الغيب التي يثنى على من آمن بها.
    قوله: «ومن فتنة المحيا والممات» أي اختبار المرء في دينه، في حياته، وفي مماته.
    وفتنة الحياة عظيمة وشديدة، وقل من يتخلص منها إلا من شاء الله، وهي تدور على شيئين:
    1- شبهات. 2- وشهوات.
    أما الشبهات فتعرض للإنسان فيلتبس عليه الحق بالباطل، فيرى الباطل حقاً، والحق باطلاً، وإذا رأى الحق باطلاً تجنبه، وإذا رأى الباطل حقاً فعله، وهذه فتنة عظيمة، فما أكثر الذي يرون الربا حقاً فينتهكونه، وما أكثر الذين يرون غش الناس شطارة وجودة في البيع والشراء فيغشون، وما أكثر الذين يرون النظر إلى النساء تلذذاً أو تمتعاً وحرية، فيطلق لنفسه النظر إلى النساء، بل ما أكثر الذين يشربون الخمر ويرونه لذة وطرباً، وما أكثر الذين يرون آلات اللهو والمعازف فناً يدرس ويعطى عليه شهادات ومراتب.
    وأما فتنة الممات فاختلف فيها العلماء على قولين:
    القول الأول: إن فتنة الممات سؤال الملكين للميت في قبره عن ربه، ودينه، ونبيه، لقول النبي : «إنه قد أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريباً من فتنة المسيح الدجال».
    فأما من كان إيمانه خالصاً فهذا يسهل عليه الجواب، فإذا سئل: من ربك؟ قال: ربي الله، من نبيك؟ قال: نبيي محمد ، ما دينك؟ قال: ديني الإسلام، بكل سهولة.
    وأما غيره والعياذ بالله فإذا سئل قال: هاه.. هاه.. لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
    وتأمل قوله: هاه.. هاه.. كأنه يعلم شيئاً فنسيه، وما أشد الحسرة في شيء علمته ثم نسيته، فهذه فتنة عظيمة أسأل الله أن ينجيني وإياكم منها، وهي في الحقيقة تدور على ما في القلب، فإذا كان القلب مؤمناً يرى أمور الغيب كرأي العين، فهذا يجيب بكل سهولة، وإن كان الأمر بالعكس، فالأمر بالعكس.
    القول الثاني: المراد بفتنة الممات: ما يكون عند الموت آخر الحياة، ونص عليها وإن كانت من فتنة الحياة، لعظمها وأهميتها.
    وخصها بالذكر، لأنها أشد ما يكون وذلك لأن الإنسان عند موته ووداع العمل صائر إما إلى سعادة، وإما إلى شقاوة، قال الرسول : «إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار»، فالفتنة عظيمة، وأشد ما يكون الشيطان حرصاً على إغواء بني آدم في تلك اللحظة، والمعصوم من عصمه الله، يأتي إليه في هذه الحالة الحرجة التي لا يتصورها إلا من وقع فيها، قال تعالى: كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ * وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ * وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ * وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ [القيامة: 26- 30] حالة حرجة عظيمة، الإنسان فيها ضعيف النفس، ضعيف الإرادة، ضعيف القوة، ضيق الصدر، فيأتيه الشيطان ليغويه، لأن هذا وقت المغنم للشيطان، حتى إنه كما قال أهل العلم: قد يعرض للإنسان الأديان اليهودية، والنصرانية، والإسلامية بصورة أبوية فيعرضان عليه اليهودية والنصرانية والإسلامية، ويشيران عليه باليهودية أو بالنصرانية، والشيطان بتمثل كل واحد إلا النبي  وهذه أعظم الفتن، ولكن هذا والحمد لله لا يكون لكل أحد، وحتى لو كان الإنسان لا يتمكن الشيطان من أن يصل إلى هذه الدرجة معه، لكن مع ذلك يخشى عليه منه.
    يقال: إن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وهو في سكرات الموت يسمع يقول: بعد.. بعد، فلما أفاق قيل له في ذلك، قال: إن الشيطان كان يعض أنامله يقول: فتني يا أحمد، يعض أنامله ندماً وحسرة، كيف لم يغو الإمام أحمد؟ فيقول له: بعد.. بعد، أي: إلى الآن ما خرجت الروح، فما دامت الروح في البدن فكل شيء وارد ومحتمل: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: 8] في هذه الحال فتنة عظيمة جداً، ولهذا نص النبي  عليها قال: «ومن فتنة المحيا والممات».
    فالحاصل: أن فتنة الممات فيها تفسيران.
    التفسير الأول: الفتنة التي تكون عند الممات.
    التفسير الثاني: التي تكون بعد الموت، وهي سؤال الملكين الإنسان عن ربه ودينه ونبيه.
    هل سؤال الملكين حقيقي بمعنى: أن الإنسان يجلس في قبره ويناقش أو أنه خيال؟
    الجواب: هو حقيقي بلا شك، وأن الإنسان في قبره يجلس ويناقش ويسأل.
    فإن قال قائل: إن القبر محدود ضيق فكيف يجلس؟
    الجواب على ذلك: أن الواجب على المؤمن في الأمور الغيبية أن يقبل ويصدق ولا يسأل عما وراء ذلك، بل يقول: سمعنا وآمنا، وصدقنا وقبلنا، ولا يسأل كيف، ولم، لأنه لا يسأل عن كيف، ولم، إلا من شك، وما من آمن وانشرح صدره لأخبار الله ورسوله فإنه يسلم ويقول: الله أعلم بكيفية ذلك.
    وتعلقها بالبدن بعد الموت لا يمكن أن يقاس بتعلقها في حال الحياة، وها هو الإنسان في منامه يرى أنه ذهب وجاء وسافر وكلم أناساً والتقى بأناس أحياء وأموات، ويرى أن له بستاناً جميلاً، أو داراً موحشة مظلمة، ويرى أنه راكب على سيارة مريحة، ويرى مرة أنه صدم، ويرى أنه صدم، كل هذا يمكن مع أن الإنسان على فراشه لم يتغير، حتى الغطاء الذي عليه لم يتغير، وهذا أمر يكون حقاً إذا كانت رؤيا صالحة.
    فالإنسان يمكن أن يجلس في قبره ويسأله، وإن كان القبر محدوداً ضيقاً، إذاً فالفتنة حقيقة يسأل المرء عن ثلاثة أشياء: عن ربه، ودينه، ونبيه.
    قوله: «فتنة المسيح الدجال» والمسيح: فعيل بمعنى: مفعول من المسح، لأنه يسمح الأرض بسرعة سيره فيها، أو لأنه كان ممسوح العين، لأنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، أو عنبة طافئة.
    وعلى كل فإن المسيح الدجال فتنة من فتن الدنيا، لأنه لا يفتن إلا الأحياء، فالأموات سلموا منه.
    فإن قال إنسان: إذا كان من فتنة الدنيا أو من فتنة المحيا فلماذا ذكر وحده؟
    الجواب: لأن أعظم فتنة على وجه الأرض منذ خلق الله آدم إلى قيام الساعة هي فتنة المسيح الدجال.
    وأما الدجال فهو مأخوذ من الدجل وهو التمويه، لأن هذا أعظم مموه، والبحث فيه من وجوه:
    أولاً: زمنه، هو من علامات الساعة ولكنه غير محدد لا نعلمه، لأنه لا يعلم متى تكون الساعة إلا الله، فكذلك أشراطها لا نعلم منها إلا ما ظهر، فوقت خروجه غير معلوم لنا.
    ثانياً: مكانه، فإنه يخرج منه الشرق جهة الفتن والشر، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الفتنة من هاهنا وأشار إلى المشرق».
    ثالثاً: دعوته، فقد ذكر أنه أول ما يخرج يدعو إلى الإسلام، ويقول: أنا مسلم وينافح عن الإسلام، ثم بعد ذلك يدعي النبوة، ثم بعد ذلك يدعي أنه إله.
    رابعاً: فتنته، من حكمة الله ـ عز وجل ـ أن الله سبحانه وتعالى يعطيه آيات فيها فتن عظيمة:
    فإنه يأتي إلى القوم يدعوهم فيتبعونه فيصبحون وقد نبتت أراضيهم، وشبعت مواشيهم، فتعود إليهم أوفر ما تكون لبناً وأسبغ ضروعاً، يعني أنهم يعيشون برغد، لأنهم اتبعوه، ويأتي القوم فيدعوهم فلا يتبعونه فيصبحون ممحلين ليس في أراضيهم شيء، وهذا فتنة عظيمة لاسيما في الأعراب، ويمر بالخربة فيقول: أخرجي كنوزك، فتخرج كنوزها تتبعه كيعاسيب النحل من ذهب وفضة وغيرها، بدون آلات، وبدون أي شيء، فتنة من الله عز وجل، فهذه حاله وعاملته مع أهل الدنيا.
    ومن فتنته: أن الله جعل معه جنة وناراً بحسب رؤيا العين، لكن جنته نار، وناره جنة، من أطاعه أدخله هذه الجنة فيما يرى الناس، ولكنها نار محرقة ـ والعياذ بالله ـ ومن عصاه أدخله النار فيما يراه الناس، ولكنها جنة وماء عذب وطيب.
    إذاً يحتاج الأمر إلى تثبيت من الله ـ عز وجل ـ، إن لم يثبت الله المرء هلك وضل.
    ومن فتنته: أن يخرج إليه شاب فيقول له: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله  فيدعوه فيأبى أن يتبعه فيضربه ويشجه في المرة الأولى، ثم يقتله ويمر بين شقيه، ثم يدعوه فيقوم يتهلل وجهه، ويقول: أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله  ثم يأتي ليقتله فلا يسلط عليه، ويعجز عن قتله، ولن يسلط على أحد بعده، فهذا من أعظم الناس شهادة عند الله، لأنه في المقام العظيم الرهيب الذي لا يتصور رهبته إلا من باشره، يصرح على الملأ إعذاراً وإنذاراً بأنك أنت الدجال الذي ذكر لنا رسول الله .
    خامساً: مقدار لبثه في الأرض أربعون يوماً فقط، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامنا، هكذا حدث النبي  قال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ: يا رسول الله هذا اليوم الذي كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم واحد؟ قال: «لا، اقدروا له قدره»، انظروا إلى هذا المثال لنأخذ منه عبرة كيف كان تصديق أصحاب رسول الله  لرسول الله؟ ما ذهبوا يحرفون أو يؤولون أو يقولون إن اليوم لا يمكن أن يطول، ولكن صدقوا بأن هذا اليوم سيكون اثني عشر شهراً حقيقة بدون تحريف ولا تأويل، وهكذا حقيقة المؤمن ينقاد لما أخبر به الله ورسوله من أمور الغيب، وإن حار فيها عقله.
    ثم بعد أن يمكث الدجال أربعين يوماً ينزل المسيح عيسى بن مريم الذي رفعه الله إليه، وقد جاء في الأحاديث أنه ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، فلا يحل لكافر يجد ريحه إلا مات، وهذه من آيات الله، فيلحق الدجال عند باب اللد في فلسطين فيقتله هناك، وحينئذ يقضي عليه نهائياً.
    سادساً: هل الدجال من بني آدم؟
    الجواب: نعم، هو من بني آدم.
    سابعاً: هل هو موجود الآن؟
    الجواب: لا، هو غير موجود، ولكن الله يبعثه متى شاء.
    الدعاء قبل السلام ثم السلام:
    وبعد الفراغ من الاستعاذة من هذه الأربع يدعو المصلي بما ورد الدعاء به في هذا المكان ومنه: «اللهم أعني على ذكرك وشكرك، وعلى حسن عبادتك».
    ومنه: ما علمه النبي  أبا بكر رضي الله عنه حين قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفرلي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم».
    ولو دعا بدعاء غير ذلك فإنه يجوز، كما أنه يجوز للمصلي أن يدعو لمعين بأن يقول: "اللهم اجز فلاناً عني خيراً"، أو"اللهم اغفر لفلان"، لأن رسول الله  ثبت عنه أنه دعا على قوم معينين ( ).
    ثم يسلم عن يمينه أي بعد التشهد والدعاء عن يمينه وعن يساره فيقول عن يمينه: "السلام عليكم ورحمة الله" وعن يساره: "السلام عليكم ورحمة الله" وهذا خطاب لكنه خطاب يخرج به من الصلاة، بخلاف الخطاب الذي يكون في أثناء الصلاة وهنا مسالة وهي: على من يسلم؟
    الجواب: يقولون: إذا كان معه جماعة فالسلام عليهم، وإذا لم يكن معه جماعة فالسلام على الملائكة الذين عن يمينه وشماله ( ).
    وبعد السلام يشرع في الاستغفار خشية أن يكون الإنسان قصر في أداء الصلاة كما ينبغي، ثم يشرع في الأذكار الواردة بعد السلام وهي:
    «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد».
    «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون».
    وتسن قراءة آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة فقد قال : «من قرأ آية الكرسي دبر صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت».
    كما يسن بعد كل صلاة "التسبيح" ثلاثاً وثلاثين، و"التحميد" ثلاثاً وثلاثين، و"التكبير" ثلاثاً وثلاثين، ثم يقال: تمام المائة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير» أو إتمام المائة بتكبيرة، فيكون التكبير أربعاً وثلاثين.

    خشوع السلف رحمهم الله
    وقبل الختام لنا وقفة مع أخبار السلف وخشوعهم في صلاتهم فما كان عليه السلف في خشوعهم يدفع في النفس الهمة ويعينها، سأذكر لك من أحوالهم ما تيسر لي، وأرجو أن ينفع الله به.
    ذكر عن محمد بن المنكدر ـ رحمه الله ـ أنه بينا هو ذات ليلة قائم يصلي إذا استبكى وكثر بكاؤه حتى فزع أهله، وسألوه ما الذي أبكاه، فاستعجم عليهم وتمادى في البكاء، فأرسلوا إلى أبي حازم فأخبروه بأمره، فجاء أبو حازم إليه فإذا هو يبكي.
    قال: يا أخي، ما الذي أبكاك؟ قد روعت أهلك، أفمن علة أم ما بك؟
    قال: إنه مرت بي آية في كتاب الله عز وجل!.
    قال: وما هي؟
    قال: قول الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر].
    فبكى أبو حازم أيضاً معه واشتد بكاؤهم، فقال بعض أهله لأبي حازم، جئنا بك لتفرج عن فردته، فأخبرهم ما الذي أبكاهما.
    وكان عطاء بن أبي رباح بعد ما كبر وضعف، يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة، وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك.
    وعن ميمون بن مهران قال: نظر رجل من المهاجرين إلى رجل يصلي فأخف الصلاة فعاتبه، فقال: إني ذكرت ضيعة لي، فقال: أكبر الضيعة أضعته.
    وكان إبراهيم التيمي إذا سجد تجيء العصافير تستقر على ظهره كأنه جذم حائط( ).
    ويروى عن حاتم الأصم أنه سئل عن صلاته فقال: إذا حانت الصلاة أسبغت الوضوء وأتيت الموضع الذي أريد الصلاة فيه فأقعد فيه حتى تجتمع جوارحي، ثم أقوم على صلاتي، وأجعل الكعبة بين حاجبي، والصراط تحت قدمي، والجنة عن يميني، والنار عن شمالي، وملك الموت عن ورائي، وأظنها آخر صلاتي، ثم أقوم بين الرجاء والخوف وأكبر تكبيراً بتحقيق، وأقرأ قراءة بترتيل، وأركع ركوعاً بتواضع، وأسجد سجوداً بتخشع وأتبعها الإخلاص، ثم لا أدري أقبلت أم لا ( )؟
    وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وسلم

    أهم المراجع
    1- تفسير الجلالين.
    2- فتح الباري شرح صحيح البخاري.
    3- الشرح الممتع على زاد المستقنع للشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى.
    4- صفة صلاة النبي  للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى.
    5- الصلاة لحسن العوايشة.
    6- ذوق الصلاة ـ عادل الزرقي.
    7- كيف تخشعين في الصلاة ـ د. رقية المحارب.
    8- الخشوع في الصلاة ـ د. محمد لطفي الصباغ.

    فهرس الموضوعات
    مقدمة 5
    أهمية الصلاة في الدين 7
    العناية بالصلاة: 7
    مراعاة الخشوع فيها: 8
    ويكون الخشوع بأمور منها: 8
    فضل الصلاة وتكفيرها للمعاصي 10
    الصلاة وأثرها في ترك الذنوب وتربية النفس: 11
    إقبال الله تعالى بوجهه على عبده في الصلاة: 13
    الاستعانة بالصلاة: 13
    الصلاة كيفية وروحاً 14
    ما حكم وضع الحائل في السجود؟ 24
    الحكمة من السجود: 25
    معنى التشهد: 30
    والبحث فيها من عدة وجوه: 38
    والبحث في عذاب القبر من عدة وجوه: 43
    الدعاء قبل السلام ثم السلام: 53
    خشوع السلف رحمهم الله 55
    أهم المراجع 57
    فهرس الموضوعات 58



    _________________




      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 14, 2017 5:50 pm